أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
436
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أنه يعود على اليهود لأنّهم أشدّ الناس اتّباعا لأسلافهم . الرابع : أنه يعود على الناس في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ « 1 » ، قاله الطبري ، وهو ظاهر ، إلّا أنّ ذلك يكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وحكمته أنهم أبرزوا في صورة الغائب الذي يتعجّب من فعله ، حيث دعي إلى شريعة اللّه والنور والهدى فأجاب باتّباع شريعة أبيه . قوله : بَلْ نَتَّبِعُ بل هنا عاطفة هذه الجملة على جملة محذوفة قبلها تقديره : لا نتّبع ما أنزل اللّه بل نتّبع كذا ، ولا يجوز أن تكون معطوفة على قوله : « اتّبعوا » لفساده . وقال أبو البقاء : « بل » هنا للإضراب عن الأول ، أي : لا نتّبع ما أنزل اللّه ، وليس بخروج من قصة إلى قصة يعني بذلك أنه إضراب إبطال لا إضراب انتقال ، وعلى هذا فيقال : كلّ إضراب في القرآن فالمراد به الانتقال من قصة إلى قصة إلّا في هذه الآية ، وإلّا في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ « 2 » فإنه محتمل للأمرين فإن اعتبرت قوله : « أم يقولون افتراه » كان إضراب انتقال ، وإن اعتبرت « افتراه » وحده كان إضراب إبطال . قوله : أَلْفَيْنا في « ألفي » هنا قولان : أحدهما : أنها متعدّية إلى مفعول واحد ، لأنها بمعنى « وجد » التي بمعنى أصاب ، فعلى هذا يكون « عليه » متعلّقا بقوله : « ألفينا » . والثاني : أنها متعدّية إلى اثنين ، أولهما « آباءنا » والثاني : « عليه » ؛ فقدّم على الأول . وقال أبو البقاء : « هي محتملة للأمرين ، أعني كونها متعدية لواحد أو لاثنين » قال أبو البقاء : « ولام ألفينا واو لأنّ الأصل فيما جهل من اللامات أن يكون واوا » يعني فإنّه أوسع وأكثر فالردّ إليه أولى . قوله : أَ وَلَوْ الهمزة للإنكار ، وأمّا الواو ففيها قولان : أحدهما : - وإليه ذهب الزمخشري - أنها واو الحال . والثاني : - وإليه ذهب أبو البقاء وابن عطية - أنها للعطف . وقد تقدّم الخلاف في هذه الهمزة الواقعة قبل الواو والفاء وثمّ : هل بعدها جملة مقدرة ؟ وهو رأي الزمخشري ، ولذلك قدّره هنا : أيتّبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب ، أو النية بها التأخير عن حرف العطف ؟ وقد جمع الشيخ « 3 » بين قول الزمخشري وقول ابن عطية فقال : « والجمع بينهما أنّ هذه الجملة المصحوبة ب « لو » في مثل هذا السياق جملة شرطية ، فإذا قال : « اضرب زيدا ولو أحسن إليك » فالمعنى : وإن أحسن إليك ، وكذلك « أعطوا السائل ولو جاء على فرس » « 4 » « ردّوا السائل ولو بشقّ تمرة » « 5 » المعنى فيهما : « وإن » ، وتجيء « لو » هنا تنبيها على أنّ ما بعدها لم يكن يناسب ما
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 168 ) . ( 2 ) سورة السجدة ، آية ( 3 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 481 ) . ( 4 ) أخرجه مالك في الموطأ ( 2 / 996 ) ، عن زيد بن أسلم مرسلا . وابن عدي في الكامل ( 5 / 1687 ) ، وروى من حديث الحسين بن علي رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « للسائل حق وإن جاء على فرس » أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 201 ) ، وأبو داود ( 1665 ) ، والطبراني في الكبير ( 2893 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 388 ) ، بنحوه .